ابن عطية الأندلسي
387
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يطوي ابن سلمى بها من راكب بعدا * عيدية أرهنت فيها الدّنانير العيد بطن من مهرة ، وإبل مهرة موصوفة بالنجابة ، ويقال في معنى الرهن الذي هو التوثقة من الحق : أرهنت إرهانا فيما حكى بعضهم ، وقال أبو علي يقال : أرهنت في المغالاة ، وأما في القرض والبيع فرهنت . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ويقال بلا خلاف في البيع والقرض : رهنت رهنا ، ثم سمي بهذا المصدر الشيء المدفوع ، ونقل إلى التسمية ، ولذلك كسر في الجمع كما تكسر الأسماء وكما تكسر المصادر التي يسمى بها وصار فعله ينصبه نصب المفعول به لا نصب المصدر ، تقول : رهنت رهنا فذلك كما تقول رهنت ثوبا ، لا كما تقول : رهنت الثوب رهنا وضربت ضربا ، قال أبو علي : وقد يقال في هذا المعنى أرهنت ، وفعلت فيه أكثر ، ومنه قول الشاعر : [ الوافر ] يراهنني ويرهنني بنيه * وأرهنه بنيّ بما أقول وقال الأعشى : [ الكامل ] حتّى يقيدك من بنيه رهينة * نعش ويرهنك السّماك الفرقدا فهذه رويت من رهن وأما أرهن فمنه قول همام بن مرة : [ المتقارب ] ولمّا خشيت أظافرهم * نجوت وأرهنتهم مالكا قال الزجّاج يقال في الرهن رهنت وأرهنت ، وقاله ابن الأعرابي ، ويقال رهنت لساني بكذا ولا يقال فيه أرهنت . قال القاضي أبو محمد : فمن قرأ « فرهان » فهو جمع رهن ، ك « كبش » و « كباش » ، و « كعب » وكعاب ، ونعل ونعال ، وبغل وبغال ، ومن قرأ « فرهن » بضم الراء والهاء فهو جمع رهن ، ك « سقف وسقف ، وأسد وأسد ، إذ فعل وفعل يتقاربان في أحكامهما ، ومن قرأ « فرهن » بسكون الهاء فهو تخفيف رهن ، وهي لغة في هذا الباب كله ، كتف وفخذ وعضد وغير ذلك ، قال أبو علي : وتكسير رهن على أقل العدد لم أعلمه جاء ، ولو جاء لكان قياسه أفعل ككلب وأكلب ، وكأنهم استغنوا بالكثير عن القليل في قولهم : ثلاثة شسوع ، وكما استغني ببناء القليل عن بناء الكثير في رسن وأرسان ، فرهن يجمع على بناءين من أبنية الجموع وهما فعل وفعال ، فمما جاء على « فعل » قول الأعشى : [ الكامل ] آليت لا أعطيه من أبنائنا * رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا قال الطبري : تأول قوم أن « رهنا » بضم الراء والهاء جمع رهان ، فهو جمع جمع ، وحكاه الزجّاج عن الفرّاء ، ووجه أبو علي قياسا يقتضي أن يكون رهانا جمع رهن بأن يقال يجمع فعل على فعال كما جمعوا فعالا على فعائل في قول ذي الرمة : [ الطويل ] وقرّبن بالزرق الجمائل بعد ما * تقوّب عن غربان أوراكها الخطر